لقطة مقربة مؤثرة لكاظم الساهر خلال مقابلته التاريخية مع أنس بوخش في برنامج '#ABtalks'
في ظهور استثنائي ونادر، أطلّ “قيصر الغناء العربي” كاظم الساهر عبر بودكاست “#ABtalks” مع الإعلامي أنس بوخش في حلقة استمرت لأكثر من ساعتين، وسرعان ما تحولت إلى “تريند” اجتاح منصات التواصل الاجتماعي. الحلقة، التي حصدت قرابة 5 ملايين مشاهدة في وقت قياسي، أثارت موجة عارمة من ردود الأفعال المتباينة؛ فبينما ذاب المحبون عشقاً وتعاطفاً مع الجانب الإنساني الهش والعميق للقيصر، توقف بعض الرافضين والمنتقدين عند تصريحاته الجريئة حول الفن، الحياة، ومفهوم الزواج.
طفولة قاسية: “أنا خُلقت من المأساة”
لم يخجل كاظم الساهر من بداياته، بل تصالح معها حد الفخر. وصف نفسه بأنه “خُلق من المأساة”، مستذكراً طفولته في بيت لا تتجاوز مساحته 70 متراً، يضم أكثر من 10 أفراد. تحدث عن الفقر والحرمان الذي دفعه للعمل منذ سن العاشرة؛ فباع الآيس كريم (الموطا) والفول (الباقلاء) في الشوارع، وعمل في مصنع للنسيج. لم تكن لديه ألعاب كباقي الأطفال، فصنع سياراته من الأسلاك المرمية، وشكّل أحجار الشطرنج من الطين ليعلم أصدقاءه اللعب. هذه المسؤولية المبكرة لم تكسره، بل زرعت في جيناته تحدياً قاده نحو المجد.
الأم العظيمة والسر الخطير: النجاة من حبل المشنقة
لعل من أكثر القصص صدمة وتأثيراً في المقابلة هي كشفه عن إدانة والده بحكم الإعدام في الماضي إثر حادثة أو تشابه أسماء وهو في الحرس الملكي. وكيف أن والدته الشابة آنذاك، ركضت وهي تحمل طفلها الرضيع نحو سيارة الملك، معترضةً الموكب لتشرح مظلومية زوجها، فكانت سبباً في العفو عنه ونجاته من الموت المحتم. تحدث كاظم عن والدته كـ “ملاك” صامت تحملت قسوة الحياة والفقر وخيانات والده دون أن تذرف دمعة شكوى، مؤكداً أنها رسمت ملامح شخصيته واحترامه اللامحدود للمرأة.
الفقدان المدمّر وقرار صارم بـ “اللا زواج”
بصوت يملؤه الشجن، تطرق الساهر إلى قسوة الفقد. فقد والديه وإخوته وأصدقاءه، لكن فقدانه لـ “أم الأولاد” (طليقته) كان له وقع الزلزال. اعترف القيصر بأنه يشعر بـ “الذنب” تجاهها، مبيناً أنه تزوجها وهو في سن التاسعة عشرة، وأخذته أمواج الشهرة والسفر بعيداً عن دفء العائلة. كشف الساهر عن صدمته حين علم أن طليقته تبرعت بكل ما تملك (باستثناء مبلغ بسيط جداً) للجمعيات الخيرية وكفالة الأيتام قبل رحيلها. وتحت وطأة هذا الشعور بالذنب، فجر كاظم مفاجأة أثارت جدلاً واسعاً، بإعلانه قراره النهائي والصارم بعدم الزواج مجدداً، مفضلاً العيش في عزلة ووحدة، قائلاً إنه يرفض أن يظلم امرأة أخرى معه بسبب مشاعره المعقدة تجاه ماضيه.
الشهرة سجن.. والصحة النفسية أولوية قصوى
بعيداً عن الصورة المثالية للنجم، أكد كاظم أن الشهرة سلبت منه حريته وراحته، واصفاً حياة الفنان بـ “السجن”. وفي خطوة جريئة تكسر التابوهات العربية، اعترف الساهر بمراجعته الدورية لطبيب نفسي (كل أسبوع أو عشرة أيام) لتفريغ شحنات الحزن وجلد الذات والمشاعر السلبية. وانتقد بشدة الجهل المجتمعي الذي يربط العلاج النفسي بالجنون، مؤكداً أن العقل السليم في الجسم السليم يبدأ من التصالح مع الذات ومعالجة التراكمات النفسية.
“الرجال فوضى”.. والبحث عن السلام
في لحظة تجلٍّ فلسفية، وصف كاظم صنف الرجال بأنهم “فوضى” دمرت الكثير من تفاصيل الحياة بسبب الأنانية أو الانشغال بالحروب والصراعات. وأكد أنه في هذه المرحلة من عمره لم يعد يكترث للمنافسة أو التربع على القمة، بل يبحث عن “السلام” فقط. يعيش في مزرعته، يزرع الأشجار، يحتضن الطبيعة، ويتجنب الرد على أي إساءة.
إرثه الموسيقي: رسالة للأجيال القادمة
فنياً، دافع الساهر عن خياراته الموسيقية، موضحاً سبب إصداره أغانٍ بسيطة (طقطوقة) مثل أغنية “متى”، ليعيد إحياء التراث الشعبي العراقي المبهج، كاشفاً في الوقت ذاته عن عمله الملحمي الأضخم “جلجامش”، الذي يكسر فيه كافة القواعد الموسيقية التقليدية. وفي ختام حديثه، سأله بوخش عن الطريقة التي يحب أن يتذكره الناس بها، فأجاب بتواضع شديد: “لا أريد سوى أن يتذكروا موسيقاي، وأن تكون أعمالي مساحة للتأمل والسلام يهربون إليها”.
خلاصة: حلقة كاظم الساهر لم تكن مجرد حوار فني، بل كانت وثيقة إنسانية شديدة الصدق والتجرد. لقد أثبتت هذه المقابلة -التي انقسم حولها الناس بين مبهور بشفافيته ومحلل لشخصيته المعقدة- أن خلف الأضواء الساطعة والقصائد الرومانسية، يقف رجلٌ حفرت المأساة ملامحه، وجعلت منه إنساناً بسيطاً يبحث عن الهدوء في عالم يضج بالصخب.
